إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى
أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ
اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا
أَوَّلُ مَوْضُوعٍ نُلَاحِظُهُ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكَّدَ
عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ فِي الْقُرْآنِ، هُوَ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ،
وَإِقَامَةُ الْقَضَاءِ، وَإِقَامَةُ الْعَدْلِ.
هَذَا يَعْنِي أَنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ خِدَاعَ اللَّهِ
تَعَالَى. بِأَيِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ.
كُنَّا نُسَمِّي فَسَادَ الْمُجْتَمَعِ وَالدَّوْلَةِ سَابِقًا
«سَرِقَةَ الْبِرَكَةِ». الْآنَ صَارَتْ كَلِمَةُ سَرِقَةِ الْبِرَكَةِ كَلِمَةً
مُهِينَةً. لِذَلِكَ نَرَى اسْتِعْمَالَ كَلِمَاتٍ مِثْلَ: سَرِقَةُ الْبَحْرِ،
سَرِقَةُ الْمُحِيطِ، سَرِقَةُ الْمُحِيطِ الْهَادِئِ، وَغَيْرِهَا.
سَنُجَاهِلُ أَمْرَهُمْ. وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ نَفْهَمَ أَوَّلًا
مَدَى مَسْؤُولِيَّتِنَا نَحْوَ سَرِقَتِهِمْ لِلْبِرَكَةِ.
أُرِيدُ أَنْ أُلْقِيَ ضَوْءًا عَلَى نُقْطَتَيْنِ هُنَا. أَيْ
أَجْلِبُ انْتِبَاهَكُمْ -نَحْنُ الْقَلِيلُونَ الْجَالِسُونَ هُنَا-.
النُّقْطَةُ الْأُولَى: لَا أَحَدَ مِنَّا الْجَالِسِينَ هُنَا
يَسْرِقُ الْبِرَكَةَ. هَذَا يَعْنِي أَنَّنَا لَا نَمْلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى
سَرِقَةِ الْبِرَكَةِ. لَوْ كَانَتْ لَنَا الْقُدْرَةُ لَفَعَلْنَاهَا.
كَيْفَ؟ أَنَا لَا أَقْبَلُ الرِّشْوَةَ لِأَنَّ أَحَدًا لَا
يُعْطِينِي رِشْوَةً. وَلَكِنِّي آخُذُ الْمَهْرَ (أَوْ: أَطْلُبُ الْجَهَازَ)
عِنْدَ زَوَاجِ ابْنِي. هَذِهِ فُرْصَتِي. وَإِثْمُ أَخْذِ الْمَهْرِ (الْجَهَازِ)
لَيْسَ أَقَلَّ مِنْ إِثْمِ أَخْذِ الرِّشْوَةِ وَالِاشْتِرَاطِ لِصَالِحِ
الْعَرُوسِ، بَلْ هُوَ أَكْبَرُ. قُلْنَا سَابِقًا: مَا مِعْيَارُ الْفَسَادِ؟
إِعْطَاءُ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ،
هَذِهِ مَسْؤُولِيَّةُ الْجَمِيعِ. فِي الزَّوَاجِ، مَسْؤُولِيَّةُ الزَّوْجِ أَوْ
أَهْلِ الْعَرِيسِ هِيَ: دَفْعُ مَهْرِ الزَّوْجَةِ، وَإِقَامَةُ وَلِيمَةِ
الزَّفَافِ وَإِطْعَامُ الْأَصْدِقَاءِ وَالْأَقَارِبِ. فِي هَذِهِ الْحَالَةِ،
لَيْسَ عَلَى أَبِ الْعَرُوسِ أَيَّةُ مَسْؤُولِيَّةٍ دِينِيَّةٍ. مَسْؤُولِيَّةُ
النَّفَقَةِ كَامِلَةً (سِتَّةَ عَشَرَ آنَةً) عَلَى الرَّجُلِ. عَلَى الْعَرِيسِ
أَوْ أَهْلِ الْعَرِيسِ. لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْعَرُوسِ أَيَّةُ مَسْؤُولِيَّةٍ
مَالِيَّةٍ. إِنْ أَرَادَ أَبُو الْعَرُوسِ أَنْ يُطْعِمَ ضَيْفَيْنِ أَوْ
أَرْبَعَةً مِنْ أَهْلِ الْعَرِيسِ، فَهَذَا يَعْتَمِدُ عَلَى رَغْبَتِهِ؛ وَإِنْ
أَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ لِابْنَتِهِ وَزَوْجِهَا شَيْئًا، فَهَذَا أَيْضًا
يَعْتَمِدُ عَلَى رَغْبَتِهِ. وَلَكِنَّ إِعْطَاءَ الِابْنَةِ بَعْضَ أَمْتِعَةِ
الْبَيْتِ هُوَ سُنَّةٌ. رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى فَاطِمَةَ -عَلَيْهَا
السَّلَامُ- بَعْضَ أَمْتِعَةِ الْبَيْتِ عِنْدَ زَوَاجِهَا.
إِذًا مَا هِيَ الْأَمَانَةُ؟ أَنْ تَدْفَعَ لِزَوْجَتِكَ
الْمَهْرَ، وَأَنْ تُقِيمَ وَلِيمَةً عَلَى نَفَقَتِكَ وَتُطْعِمَ النَّاسَ،
هَذِهِ هِيَ الْأَمَانَةُ. وَمَا هُوَ الْعَدْلُ؟ أَلَّا تَطْلُبَ مِنْ أَبِ
الْعَرُوسِ أَيَّةَ نَفَقَةٍ.
نَحْنُ نَقَعُ فِي آثَامٍ مُتَعَدِّدَةٍ هُنَا. وَهَذَا يُثْبِتُ
أَنَّنَا لَوْ صِرْنَا وُزَرَاءَ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، فَإِنَّنَا لَوْ
وَجَدْنَا الْفُرْصَةَ لَسَرَقْنَا لَا الْبِرَكَةَ فَحَسْبُ، بَلْ سَرَقْنَا
الْمُحِيطَ الْهَائِلَ! إِذَا كُنَّا نَسْتَطِيعُ أَخْذَ الْمَهْرِ (الْجَهَازِ)
فَصَدِّقُونِي، نَسْتَطِيعُ أَنْ نَرْتَكِبَ جَرَائِمَ أَكْبَرَ مِنْ هَذَا
بِكَثِيرٍ لَوْ وَجَدْنَا الْفُرْصَةَ!
لَاحِظُوا! إِرْهَابِيٌّ يَضَعُ مُسَدَّسًا عَلَى صَدْرِكُمْ فِي
أَيَّامِ الْعِيدِ وَيَقُولُ لَكُمْ: يَا أَخِي، يَجِبُ أَنْ تُعْطِينِي أَلْفَيْ
رُوبِيَّةٍ. لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ مُؤْلِمٌ جِدًّا لَكُمْ.
وَلَكِنْ مَا الَّذِي سَيَفْعَلُهُ هَذَا الْإِرْهَابِيُّ؟
الْمُجْتَمَعُ الْفَاسِدُ، وَالزُّعَمَاءُ السِّياسِيُّونَ، أَوْ الْمَعَاهِدُ
التَّعْلِيمِيَّةُ الْعَاجِزَةُ، جَعَلُوهُ مُدْمِنًا لِلْمُخَدِّرَاتِ. جَعَلُوهُ
إِرْهَابِيًّا. هُوَ مُضْطَرٌّ لِتَعَاطِي الْمُخَدِّرَاتِ، لَا يَسْتَطِيعُ
الْاِسْتِغْنَاءَ عَنِ الْمَالِ، النِّظَامُ الِاجْتِمَاعِيُّ الْفَاسِدُ وَضَعَ
السِّلَاحَ بِيَدِهِ، وَزُعَمَاءُ السِّياسَةِ وَالْمُجْتَمَعِ شَجَّعُوهُ
لِأَجْلِ مَصَالِحِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَهَذَا يَقُومُ بِالِاشْتِرَاطِ. هَذَا
ظُلْمٌ.
وَلَكِنَّ هَذَا الظُّلْمَ يَصْغُرُ جِدًّا حِينَ نَرَى أَنَّ
الشَّخْصَ الَّذِي سَأَدْعُوهُ «أَبًا»، وَالَّذِي أَتَزَوَّجُ بِابْنَتِهِ
قِطْعَةَ كَبِدِهِ وَأَجْلِبُهَا إِلَى بَيْتِي، أَضَعُ سِكِّينًا عَلَى صَدْرِهِ
وَأَقُولُ لَهُ: يَجِبُ أَنْ تُعْطِينِي دَرَّاجَةً نَارِيَّةً، أَوْ: سَأَعْمَلُ
وَظِيفَةً، وَأَحْتَاجُ إِلَى الْمَالِ، إِنْ لَمْ تُعْطِنِي مِائَتَيْ أَلْفِ
رُوبِيَّةً فَإِنِّي سَأَتْرُكُ ابْنَتَكَ!
لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الِاشْتِرَاطَ (الْجَهَازَ) إِثْمٌ أَكْبَرُ
مِنَ الِاشْتِرَاطِ الَّذِي يَفْعَلُهُ مُدْمِنُ الْمُخَدِّرَاتِ، وَهُوَ أَكْثَرُ
غَيْرَ أَخْلَاقِيَّةً، وَهُوَ فَسَادٌ أَكْبَرُ.